نعمل أن نكون منظمة حكومية عصرية .. أكثر إحترافية

نعمل أن نكون منظمة حكومية عصرية .. أكثر إحترافية

1/19/2009 :: متطلبات التجديد للمرحلة المقبلة ( جريدة القبس)


استكمالا لمقال سابق كتبته عن ازمة التحول الاجتماعي التي تمر بها البلاد وانعكاساتها على البنى القائمة، فإن هناك خمسة امور، على الاقل يفترض ادراجها في مشروع اصلاح تلك البنى، ابرزها ضرورة ان تكون تلك الاصلاحات قائمة على اساس مادي خال من الازدواجية في تحديد فكرة الدولة والمرجعية التي ينبغي الاحتكام اليها وحسم الخلاف بين النخب الفكرية حول الاولويات. وحسم الخلاف حول ما ورد في الفقرة السابقة يبدو لي انه احد البدائل او احدى القنوات، اذا جاز التعبير، لتسهيل التحول الاجتماعي، خصوصا اذا كانت هناك امكانية لاضافة بدائل اخرى مثل اشراك المجتمع في الحوارات القائمة ورفع مستوى وعيه تجاه ما يدور حوله، وتحريك المياه الراكدة على صعيد الهياكل الاجتماعية، والاستيقاظ من «غفوة» الثقافة الواحدة تلك التي نرى الآخرين من خلالها. في كثير من الاحيان يجرنا التفكير الاجتماعي الى اسئلة كثيرة من دون ان يكون لدينا وعي بمبرراتها عن دور المصلحتين الفردية والطبقية في ابقاء الوضع كما هو للاحتفاظ بالامتيازات التي تكرسهما، لكننا في الوقت نفسه نغفل عن حقيقة ان تلك الاسئلة ما هي الا تعبير عن تواكل اختياري كبديل عن القيام بمبادرات لتفكيك الوضع القائم واستبداله بمساحة اوسع تضمن للمجتمع حقوقه بكل مكوناته. ويكمن الامر الثاني في السعي نحو توفير المبررات الموضوعية للبدء في فرض الضريبة الشاملة بشكل تصاعدي على الانشطة الاقتصادية من دون استثناء بهدف الوصول الى توازن ضريبي ليس عند النقطة التي نقف عندها الآن فحسب، وانما بأثر رجعي يكرس مبدأ العدالة من جهة ويضمن عدم انحراف المؤسسات الاقتصادية عن الدور المنوط برأس المال باعتباره اضافة اجتماعية حسبما تتضمن مواد الدستور. لقد مرت البلاد خلال تاريخها الماضي بتحولات اقتصادية بارزة تبعتها حتما تحولات اجتماعية يمكن تحديدها ببداية عشرينات القرن الماضي، تمثلت في تنظيم الحياة الاقتصادية رغم بدائيتها على اساس ان الدولة حارسة للانشطة الاقتصادية مقابل ان تكون هناك ضريبة محددة تدخل في تطوير البنية التحتية من خدمات وغيرها، وهي في هذا تشكل مرتعا خصبا للافكار القائمة على تحديد الصلاحيات وتقييدها، ثم كان هناك التحول الثاني الذي ما زلنا نعيش آثاره نحو تأميم الانشطة القائمة ونقل ملكيتها من رأس المال الخاص الى العام مقابل تسوية تاريخية جديدة كانت لها تبعاتها الواضحة على الاداء العام. ورغم ان المعنيين بالكلاسيكية الجديدة في الاقتصاد يرون ان فرض الضرائب يؤدي الى تشويه السوق وضعف او انعدام الكفاءة الاقتصادية وهم في هذا يسعون الى تحديد نوع نظام الضرائب التي من شأنها تقليل هذا التشويه، الا ان كل الطروحات التي مرت بها التجربة الاقتصادية الغربية تؤكد ان فرض الضريبة التصاعدية على المؤسسات الاقتصادية والاكثار من مثل تلك المؤسسات هما الخيط الرئيسي نحو اقتصاد صحي منتج، سواء على صعيد الاموال او الفرص الوظيفية. ويتطلب التحول الى الضريبة الشاملة التخفيف من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وجعلها في الحد الادنى من دون ان تتجاوز فكرة ان لرأس المال دورا اجتماعيا ومن دون ان ننسى وضع الآليات التي تسمح للدولة بالتدخل عندما يكون هناك تجاوز على الانظمة واللوائح التي تنظم النشاط الاقتصادي بشكل عام. وهذا يتطلب قطيعة شاملة مع فكرة الدولة المركزية التي تملك كل وسائل الانتاج التي جرى انتهاجها منذ الاستقلال وحتى اليوم واستبدال تلك الفكرة بخليط من تجربتين اقتصاديتين شهدهما العالم خلال السنوات الماضية ربما تكونان الانسب اقتصاديا. والامر الثالث يقضي بتنظيم الساحة السياسية من خلاال خلق منبرين، يضم احدهما الجناح المحافظ في المجتمع، فيما يضم الآخر الجناح الليبرالي بدلا من ترك الساحة كما هي الآن فرصة للفوضي والتداخل، بشرط ان يصدرهذا التنظيم من خلال قانون واضح ومحدد يحتوي في مواده على فكرة الديموقراطية وتداول المناصب الرئيسية في كل حزب وتكون هناك رعاية مستمرة من الدول لضمان استمرار الجانب الايجابي للتجربة. ونظام الحزبين موجود في الولايات المتحدة، وفي بلدان اوروبية مثل: بريطانيا، واسبانيا، وماليزيا، والبرتغال، واستراليا، وجامايكا، ويقسم المكونات السياسية الى محورين (يمين ويسار)، مثل المحافظين مقابل العمال في بعض بلدان الكومنولث، ومثل الجمهوريين مقابل الديموقراطيين في الولايات المتحدة. هذه ثلاثة امور اذا تمكنا من تبني افكار تجديدية حولها فاننا سنخطو خطوات جدية تجاه التحول الاجتماعي الحقيقي كما غيرنا من الدول المتحضرة والمتقدمة لكننا سنخفق اذا عجزنا عن استيعاب ما تحتويه من تحولات، ربما تكون حتمية لكنها متأخرة. ناصر العبدلي